ابن العربي

760

أحكام القرآن

بالقوت فدعوى ومعنى ليس له أصل يرجع إليه ؛ وإنما تكون المعاني موجبة لأحكامها بأصولها على ما بيّناه في كتاب القياس . وكيف يذكر اللّه سبحانه النعمة في القوت والفاكهة ، وأوجب الحقّ منها كلّها فيما تنوّع حاله كالكرم والنخيل ، وفيما تنوّع جنسه كالزرع ، وفيما ينصاف إلى القوت من الاستسراج الذي به تمام النعمة في المتاع بلذّة البصر إلى استيفاء النعم في الظلم . فإن قيل : إنما تجب الزكاة في المقتات الذي يدوم ، فأما في الخضر فلا بقاء لها ؛ ولذلك لم تؤخذ الزكاة في الأقوات من أخضرها ، وإنما أخذت من يابسها . قلنا : إنما تؤخذ الزكاة من كل نوع عند انتهائه ، باليبس « 1 » ، وانتهاء اليابس والطيب انتهاء الأخضر ؛ ولذلك إذا كان الرطب لا يثمر ، والعنب لا يتزبّب تؤخذ الزكاة منهما على حالهما ، ولو لم تكن الفاكهة الخضرية أصلا في اللذة وركنا في النعمة ما وقع الامتنان بها في الجنة . ألا تراه وصف جمالها ولذّتها ، فقال « 2 » : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ؛ فذكر النخل أصلا في المقتات ، والرمّان أصلا في الخضروات . أولا ينظرون إلى وجه امتنانه على العموم لكم ولأنعامكم بقوله « 3 » : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا . فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا . وَعِنَباً وَقَضْباً . وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا . وَحَدائِقَ غُلْباً . وَفاكِهَةً وَأَبًّا . فإن قيل : فقد قال تعالى « 4 » : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ . والذي يحصد الزرع . قلنا : جهلتم ؛ بل هو عامّ في كل نبت في الأرض . وأصل الحصاد إذهاب الشيء عن موضعه الذي هو فيه ، قال تعالى « 5 » : مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ . وقال « 6 » : حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ . وقال « 7 » : فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ . وفي الحديث : وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم . فإن قيل : هذا مجاز ؛ وأصله في الزرع . قلنا : هذا كلّه حقيقة ؛ وأصلها الذهاب .

--> ( 1 ) في ل : فما يبس انتهاء . ( 2 ) سورة الرحمن : 68 . ( 3 ) سورة عبس : 25 - 31 . ( 4 ) سورة الأنعام : 141 . ( 5 ) سورة هود : 100 . ( 6 ) سورة الأنبياء : 15 . ( 7 ) سورة يونس : 24 .